وهبة الزحيلي

127

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يعرضها على آدم ، فلم يطقنها ، فقال لآدم : إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال ، فلم يطقنها ، فهل أنت آخذ بما فيها ؟ قال : يا رب ، وما فيها ؟ قال : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت ، فأخذها آدم فتحملها ، فذلك قوله تعالى : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا . والمراد جنس الإنسان بحسب الأغلب . فالأمانة تشمل الطاعات والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب ، وبتضييعها العقاب ، وتشمل أمانة الأموال كالودائع وغيرها مما لا بيّنة عليه ، وغسل الجنابة أمانة ، والفرج أمانة ، والأذن أمانة ، والعين أمانة ، واللسان أمانة ، والبطن أمانة ، واليد أمانة ، والرّجل أمانة . وقد حملها الإنسان بسبب جهله بما فيها ، وعلم هذه الأجرام ، وهو مع ذلك يتأثر بالانفعالات النفسية وبالشهوات الذاتية ، ولا يتدبر عواقب الأمور ، وكانت هذه التكاليف وسيلة للحد من سلطان الشهوة ، وتأثير النوازع ، والقوى الداخلية في نفسه . ثم بيّن اللّه تعالى نتائج تلك التكاليف بين المكلفين ، فقال : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ ، وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي إن عاقبة حمل الإنسان لهذه الأمانة وهي التكاليف أن ينقسم الناس فريقين : فريق المنافقين والمنافقات ( وهم الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله ) والمشركين والمشركات ( وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك باللّه ومخالفة الرسل ) الذين يعذبهم اللّه لخيانتهم الأمانة ، وتكذيب الرسل ، ونقض الميثاق ، وفريق المؤمنين والمؤمنات ( وهم الذين آمنوا باللّه وملائكته وكتبه ورسله ، العاملين بطاعته )